محمد بن زكريا الرازي

80

الحاوي في الطب

خلط لذاع مداخل لطبقات الأمعاء ، فعلمت أني قد أصبت في الحدس زدت فيه فبريء فدلني ذلك أني كنت أرى الرجل يتأذى بالتدبير الحار وبالأغذية الحارة وبالإمساك عن الطعام ويهيج عليه وجعه وينتفع بالأشياء المعتدلة وكان وجعه كاللذع ، ورجل آخر كان إذا أكل أغذية سريعة الهضم تورث عليه فسألت عن تدبيره قديما ، فقال : إن علتي هذه أصابتني بعقب دواء مسهل أخذته ، وإن الذي دعاني إلى ذلك لذع كنت أجده في بطني ، فحدست أن المعى أضر بها الدواء . لي : كان سقمونيا فصار يقبل يجيئه ويتأذى به لضعفه فأطعمته طعاما عسر الهضم قابضا فبرئ بذلك . لي : وذكر لي رجل أن الثفل لا يخرج منه البتة إلا بكد وأن ذلك ليس ليبسه وأنه على الحال الطبيعية في اللين وليس يخرج ، فحدست أنه إما أن يكون ناصورا يمنع المعى الوجع من الدفع أو بطلان قوة المعى الدافعة ، فسألته هل يوجعه فقال : لا ، فأشرت عليه أن يأكل قبل غذائه زيتونا مملحا كثيرا ومريا وسمكا مالحا وأن يقدم قبل غذائه تينا قد جعل فيه من لبن التين أو بورق وقرطم أن يحقن بماء الملح وبمري فبرئ ، ولو لم يبرأ بهذا لحقنته بحقن مسخنة ومرخت بطنه ومراقه بالمسخنات لأن حس المعى المستقيم كان قد تعطل حينئذ وربما تعطل هذا تعطيلا لا يمكن رده ، وعلامته أنه لا يحس بلذع من شيافة بملح يدفعها فأما ببقاء الحس قائما فإنه يبرأ ، وقد يحتبس الثفل ليبسه ، وجهال الأطباء يجهدون أنفسهم في إخراجه فيصيبهم منه ضروب القروح والوجع ، والوجه في هذا الحال إذا أحس الإنسان بالثفل أنه لا يخرج ليبسه ، فيجب إن كان لا يؤذيه يومه أن يتجرع مرقة دسمة ويحتقن بدهن حل ويشرب شرابا حلوا وخاصة شراب التين فإنه يصلح ذلك ، وإن كان الثفل قد حفزه وجهده فليتزحر فإذا انفتح الشرج دهنه ثم لا يجتهد نفسه كل الجهد بل أخذ آلة شبيهة بالتي تنقى الأذن به إلا أنها أعظم فيخرج بها الثفل الشيء بعد الشيء ويزيد شيئا في الدفع والتزحر حتى يخرج ما وراء ذلك أولا أولا فإن وراء ذلك اليابس لا محالة ما هو أرطب منه ، ومن يعتريه ذلك فليأكل دائما الأمراق الدسمة ويشرب شرابا حلوا ، وأكثر ما يعتري لمن ينام وفي أمعائه ثفل فيه يبس فليجهد نفسه في إخراجه ولو قبل الليل فإنه متى نام عليه أصبح من غد وهو شديد اليبس مؤذ ، وإذا أحس به فليشرب من ليلته شرابا كثيرا ويتحسى شيئا دسما . « الأعضاء الآلمة » الثانية : إنه متى كان الوجع في القولنج شديدا جدا مبرحا مع علامات القولنج فإنه في الأمعاء الغلاظ وما كان أخف فهو سبب ضعيف أو في الأمعاء الدقاق يكون . لي : يجب من هذا إذا رأيت الوجع قويا أن يفزع إلى الحقن منذ أول الأمر فإذا رأيته خفيفا أن تسقيه المسهلة وأنا أحسبه أنه إذا كانت الحركة للغثي شديدة فإن البلية في الأمعاء العليا وبالضد . السادسة من « الأعضاء الآلمة » : الطبيعة إن لانت في علة القولنج فإن الذي يخرج إنما هو ثفل رياحي منتفخ كأخثاء البقر . لي : من هاهنا يعلم أن جالينوس يسمي وجع هذا المعى بهذا الاسم وإن لم تكن الطبيعة معه ممتسكة .